ابن عطية الأندلسي

196

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقال عيسى بن عمر : كتبت حتى انقطع سوائي ، وقال حسان بن ثابت في رثاء النبي صلى اللّه عليه وسلم على ما ذكر ابن إسحاق وغيره [ الكامل ] : يا ويح أنصار النبيّ ورهطه * بعد المغيّب في سواء الملحد وقال أبو عبيد : هو في عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وهو عندي وهم منه ، و السَّبِيلِ عبارة عن الشريعة التي أنزلها اللّه لعباده ، لما كانت كالسبب إلى نيل رحمته كانت كالسبيل إليها . وقوله تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ، كَثِيرٌ مرتفع ب وَدَّ ، وهو نعت لنكرة ، وحذف الموصوف النكرة قلق ، ولكن جاز هنا لأنها صفة متمكنة ترفع الإشكال بمنزلة فريق ، قال الزهري عنى ب كَثِيرٌ واحد ، وهو كعب بن الأشرف ، وهذا تحامل ، وقوله تعالى يَرُدُّونَكُمْ يرد عليه ، وقال ابن عباس : المراد ابنا أخطب ، حيي وأبو ياسر . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وفي الضمن الاتباع ، فتجيء العبارة متمكنة ، و الْكِتابِ هنا التوراة ، و لَوْ هنا بمنزلة « إن » لا تحتاج إلى جواب ، وقيل يتقدر جوابها في وَدَّ ، التقدير لو يردونكم لودوا ذلك . قال القاضي أبو محمد : ف « ود » دالة على الجواب ، لأن من شرطه أن يكون متأخرا عن لَوْ ، و كُفَّاراً مفعول ثان ، ويحتمل أن يكون حالا ، و حَسَداً مفعول له ، وقيل : هو مصدر في موضع الحال . واختلف في تعلق قوله مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ : فقيل يتعلق ب وَدَّ لأنه بمعنى ودوا ، وقيل : يتعلق بقوله حَسَداً فالوقف على قوله كُفَّاراً ، والمعنى على هذين القولين أنهم لم يجدوا ذلك في كتاب ولا أمروا به فهو من تلقائهم ، ولفظة الحسد تعطي هذا ، فجاء من عند أنفسهم تأكيدا وإلزاما ، كما قال تعالى : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ [ آل عمران : 167 ] ، و يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [ البقرة : 79 ] ، وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] ، وقيل يتعلق بقوله يَرُدُّونَكُمْ ، فالمعنى أنهم ودوا الرد بزيادة أن يكون من تلقائهم أي بإغوائهم وتزيينهم . واختلف في سبب هذه الآية ، فقيل : إن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر أتيا بيت المدارس ، فأراد اليهود صرفهم عن دينهم ، فثبتا عليه ونزلت الآية ، وقيل : إنما هذه الآية تابعة في المعنى لما تقدم من نهي اللّه عن متابعة أقوال اليهود في راعِنا * [ البقرة : 104 ] وغيره ، وأنهم لا يودون أن ينزل خير ، ويودون أن يردوا المؤمنين كفارا . و الْحَقُّ : المراد به في هذه الآية نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وصحة ما المسلمون عليه ، وهذه الآية من الظواهر في صحة الكفر عنادا ، واختلف أهل السنة في جواز ذلك ، والصحيح عندي جوازه غفلا وبعده وقوعا ، ويترتب في كل آية تقتضيه أن المعرفة تسلب في ثاني حال من العناد ، والعفو ترك العقوبة وهو من « عفت الآثار » ، والصفح الإعراض عن المذنب كأنه يولي صفحة العنق . وقال ابن عباس هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [ التوبة : 29 ] إلى قوله صاغِرُونَ [ التوبة : 29 ] ، وقيل : بقوله « اقتلوا المشركين » ، وقال قوم : ليس هذا حد المنسوخ ، لأن هذا في نفس الأمر كان التوقيف على مدته .